الاثنين، 7 أكتوبر 2019

وعد سيندور

وَعْدُ سِــينْدُور




وبعدَ أنْ فرَغَ الملكُ ’’دَبْشـَلِيم‘‘ .. من شئونِ مملكتِهِ التي يَنْظُرُ فيها .. التفتَ للفيلسوفْ ’’بَيْدَبـَا‘‘ وقال :
ولكنْ كيفَ للحـُرِّ يا فيلسوفْ .. أنْ يُصادِقَ عدُوَّهُ ؟!

فقالَ ’’بَيْدَبـَا‘‘ :
واللهِ يا مولاي .. إنها لَمِنَ الأمورِ العجيبةِ التي لا تَدْخُلُ عقلاً .. فكلُّ ما قالَهُ الحاكمُ الجديدُ .. النمرُ ’’شَـَرْواتْ ‘‘ .. يهدِّئُ النُفُوسَ .. ويُنْذِرُ بالسَكِينةِ والطمأنينةِ والأمانِ والخيرِ الكثيرِ .
أما مصادقةُ الأعداءِ .. فليسَ العقلُ يقبلُها .. فإذا كانتْ الصداقةُ بينَهُ وبينَ أعدائِهِ ممكنَةٌ .. فمِنْ أينَ نشأَ العداءُ إذنْ !! …

وأكملَ ’’دمنةُ‘‘ حديثَ أخيهِ ’’كليلةَ‘‘ .. للثورِ ’’مَنـْدَبـَةَ‘‘ قائلاً :
إنَّ فكرةَ مصادقةُ الأعداءِ .. هيَ التي جَعَلَتْ كثيراً منَ الرعايا بالغابةِ يتساءلونَ ؛ ويتعارضونَ ويتظاهرونَ . كما أنَّ الغاباتَ المجاورةَ ؛ أسِفَتْ لهذه الفكرة ؛ لأنَّ لهم عدوٌ مشتركٌ .. هم مجموعةٌ مِنَ الثعالبِ والخنازيرِ والقرودِ .. استوطَنَتْ غابةً تُدْعَى ’’سـاطِين‘‘ ، ليست أرضاً لها ؛ ولكنها ؛ اغتصَبَتْها اغتصاباً .. وأَزْهَقَتْ أرواحاً كثيرةً مِنْ أحيائِها الأصليِّين ، وشَرَّدَتْ مَنْ شَرَّدَتْ ؛ ونَصَبَتْ أعْشَاشَها وتَربَّعتْ فيها وعَرْبَدَتْ ؛ وتَشَعَّبَتْ فيها وتَغَلْغَلَتْ ؛ وعلَى قلبِ أصحابِها مَكَثَتْ ؛ وبجميعِ المبادئِ والعهودِ نَكَثَتْ .
فكيفَ بَعْدَ هذا نَمُدُّ يداً بالصداقةِ ؛ لِمَنْ تَعَمَّدُوا الصفاقة ؛ وسَلَبُوا الحقوقَ ؛ وتغلغلُوا بالشقوقِ ؛ كيفَ يكونُ منهم صَدِيق !!
وانقَلَبَتْ ’’سـاطِين‘‘ ؛ مِنَ الغضبِ إلى بَراكين . وتَنَظَّمَتْ وَحَدَاتٌ ؛ تقاومُ السَرِقات ؛ وتُطْلِقُ الصَرَخات ؛ في هيئةِ الهيئات .

وقال الفيلسوفْ ’’بَيْدَبـَا المِصْرِيُّ‘‘ للملكِ ’’دَبْشـَلِيم‘‘  :
مولاي .. هذا العدُوُّ أسلوبُهُ التفريقُ ؛ فكيفَ يُطْلَقُ عليهِ بعدَ هذا صديقٌ !!. كثيراً في هذه الدنيا تـُغْلَبُ الحقائقُ وتـُقْلَبُ ؛ وتـُحَرَّفُ وتـُزَيَّفُ ؛ فتصبحُ مسخاً يتمسكُ بهِ أصحابُ المصالحِ الفاسدةِ .
ونتَجَ عن هذا أنَّ قائداً في غابةِ ’’دِينْلانْد‘‘ .. اسمُهُ ’’سـِينـْدُور‘‘ .. أَعْطَى هذا العدُوَّ وَعْداً ؛ بأنْ تكونَ غابةُ ’’سـاطِينَ‘‘ لهم أرضاً .

فقالَ الملكُ :
وكيفَ لِمَنْ لا يملِكُ .. أنْ يُعطِيَ مَنْ لا يستَحِقُّ !!

فقالَ الفيلسوف :
ساعَدَهُمْ وسانَدَهُمْ في التَسَرُّبِ إلى هذهِ الغابةُ ؛ وتَرَكَهُمْ بالحِيلَةِ والدَهَاءِ يسرِقُوا الغلابَةَ . بَعْدَها بالقوةِ ؛ يَسْلُبُوا الباقِيَ عُنْوَة .
ومِنْ هُنَا انقَلَبَ حالُ غابةِ ’’سـاطِين‘‘ ؛ وتعاطَفَ معَها جيرانُها على مرِّ السنين . والأعداءُ المغتصبونَ ؛ يَسْلُبُونَ ويَنْهَبُونَ ؛ حتى اعتَبَرُوا لنفْسِهِم غابةً داخلَ ’’سـاطِين‘‘ ؛ أسْمَوْها ’’سـِيدْرابيل‘‘ 0
 كالمرضِ داخلَ الجسمِ يتوسَّعُ ويحتلَّه ؛ إما تقاوِمُهُ وإما دَمَّرَ الجسمَ كلَّه .

فقالَ عابِرُ السبيلِ ’’مَنـْدَبـَةَ‘‘  :
مساكينُ أهلَ ’’سـاطِين‘‘ ؛ الذين في غابتِهِمْ باقُون ؛ والذين هُم خارجَها شارِدُون .
وهل حاكِمُ غابتِكُم ’’خِصـْر‘‘ .. والذي يُدْعَى ’’شَـَرْواتْ‘‘ .. مَدَّ يدهُ فِعلاً بالصداقةِ لحاكمِ غابةَ ’’سـِيدْرابيل‘‘ ؟.

فقالَ ’’كليلة‘‘  :
توَقَّعتْ العقودُ ؛ وتقَطَّعتْ العهودُ ؛ وسُرعانَ صاحبُ الطبعِ إلى طبعِهِ يعود .

ثم سَكَتَ ’’كليلةُ‘‘ ؛ لحظاتٍ قليلةٍ ؛ ونَظَرَ داخلَ ديوانِ الحاكمِ وقالَ :
يبدو أنَّ أموراً بالداخلِ تستلزمُ الوجود ؛ وسأُكملُ الحديثَ عِندما أعود .