الثلاثاء، 29 أكتوبر 2024

أغيثوا ’’كـَرْزَة‘‘

كتبهاالفيلسوف بيدبا المصري ، في 9 مارس 2008 الساعة: 20:57 م

 أغيثوا ’’كـَرْزَة‘‘

…..

قال الفيلسوف ’’بَيْدَبـَا‘‘  :

إن الثور ’’مَنـَدَبَة‘‘ عاد إلى باب ديوان الحاكم والتقى بـ ’’كليلية‘‘ وهو خارج من الديوان فقال له :

لقد تجولت بالأمس في غابة ’’خِصـْر‘‘ ؛ في الأطراف المتاخمة لغابة ’’سـاطين‘‘ ، فعلمت أن أشرار ’’سِـيدْرابيل‘‘ يحاصرون رقعة من ’’سـاطين‘‘ .. غويبة صغيرة تدعى ’’كَرْزَة‘‘ . يمنعون عنها كل شيء يستطيعون منعه ؛ وإن استطاعوا أن يحجبوا عنها الشمس والهواء لفعلوا ……

فقال الملك ’’دَبْشـَلِيم‘‘ للفيلسوف ’’بَيْدَبـَا‘‘  :

وكيف ذلك .. ألم يكفهم ما فعلوه بـ ’’سـاطين‘‘ ؟! .. ألم تخبرني أنهم نهبوا أراضيها واستوطنوا فيها .. واستعمروها استعماراً ، وصاروا فيها تجاراً .. يبيعون ويشترون ؛ في مصائر أهلها ويفترون .. ألا يخسـئون ؟!!

فرد الفيلسوف ’’بَيْدَبـَا‘‘  :

يقولون لها مجموعة سمت نفسها ’’أساس‘‘ ، تملك الجسارة والسلاح ، وتثير بـ’’سِـيدْرابِيل‘‘ الذعر وتنشر الأتراح . ’’سِـيدْرابِيل‘‘ ليس بها حق فالأرض ليست في الأصل أرضهم ، ولكنهم .. خُبث الأخباث ، يُزَوِّرون الأحداث ، ومالك ’’سـاطين‘‘ لا يُنصر ولا يُغاث ….

وأكمل الثور ’’مَنْدَبَة‘‘ لـ’’كليلة‘‘  :

أصبحوا في ’’كَرْزَة‘‘ لا يجدون الغذاء الذي به يقتاتون ، ولا يجدون ناراً في البرد بها يتدفئون ، والأمراض فتكت بأهلها ، وليس لديهم أسباب بها يتمرضون …..

قال الملك ’’دَبْشـَلِيم‘‘  :

وكيف يعيشون ؟ !!

قال ’’بَيْدَبَا‘‘  :

بل يا مولاي .. كيف يموتون ؟ ؛ فالموت انتشر ؛ والقلب انفطر ، فالصغار تحت أقدام الأشراس يُدهسون ، وبالجوع والمرض ينتهون ، والطاعنون في السن في هذه البأساء هالكون .

فقال الملك :

أليس خارج ’’كَرْزَة‘‘ ما يحتاجون ، وإليه يفتقرون ؟

قال ’’بَيْدَبَا‘‘  :

سُدَّت السبل بالأحجار ، وارتفعت وأصبحت أسوار ، ولم يبق لهم سوى بعض المعابر ، أُقفلت في وجه من أراد أن يغادر . وكأن العدو والصديق والأهل ؛ يتعاونون على إهلاكهم ، رغم أ، الله تعالى قال في كتابه الحكيم {… وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ …} من الآية (2) سورة المائدة .

وقال الثور ’’مَنْدَبَة‘‘ العائد من جولته لـ’’كليلة‘‘ المعروف بفطنته :

ساعدتهم مجموعة ’’أساس‘‘ في هدم أجزاء من السور .. ليتمكنوا من المرور … ولكن الحراس ؛ أعادوا بناء ما هدمته مجموعة ’’أساس‘‘ .. لِمَ يا ’’كليلة‘‘ ؟ ألستم متضامنين معهم ؟!

قال ’’كليلة‘‘  :

يحرص الحاكم ’’صَنادِق‘‘ على اتفاق الصداقة بين ’’سِـيدْرابِيل‘‘ والحاكم السابق . ويخشى تسرب المتطوعين بالسلاح .. ففي الاتفاق ؛ العنف في هذا الجناح ؛ غير جائز ولا يباح …. كما أنه يخشى أن الرغبة في نفس من عبر تجيش .. ليستقر في غابتنا ويعيش .. ويترك ’’كَرْزَة‘‘ نهباً لأشراس الوحوش . وهنا لن تنتظر ’’فَتـْويكا‘‘ وتصيح .. سنأتيكم نريحكم ونستريح ….

سأل ’’مَنْدَبَة‘‘  :

ومن هذه ’’فَتـْويكا‘‘ ؟

فرد ’’كليلة‘‘  :

إنها تَجَمُّع غابات بعيدة .. سرقت كل وحش ألمعي بزيفها من حرية ، ووفرة كل المقومات القوية .. للحياة الكريمة السخية ، فقويت بهؤلاء .. وعلى كل غابات العالم أن تقدم لها الولاء .. وأغلب الغابات تعمل لها ألف حساب ؛ وكل ماتطلبه منها مجاب .

فقال ’’مَنْدَبَة‘‘  :

أليس لـ’’سـاطين‘‘ سلطة أو حاكم ؛ يطلب من ’’سِـيدْرابيل‘‘ أن تتوقف ؛ عن هذا الحصار وبالصغار والعجائز تتلطف ؟ . أو أن يطلب من الحاكم ’’صَنَادِق‘‘ .. أن يسمح لمن بالنية صادق .. المرور لجلب ما يطلب من حاجته .. يحملها ويعود لغابته ؟ ..

فقال ’’كليلة‘‘ :

إن ’’سِـيدْرابِيل‘‘ تُضَيِّق الحصار .. إلى أن يُسدل على جماعة ’’أساس‘‘ الستار ، وتترك السلاح والصياح …. كما أن السلطة و’’أساس‘‘ في خلاف .. ولابد من تجمع الأطراف ..للحوار والاتفاق .. ليزدادوا قوة وانطلاق ..

فإذا اتَّفَقَ على شيء حاكم ’’سـاطين‘‘ ، فذته الجماعات أجمعين .. وصارت كلمة الحاكم قوية .. ولاتفاقِهِ وزْنٌ ومصداقية .

قال الملك ’’دَبْشـَلِيم‘‘ :

وهل ينتظر من يموتون .. أن الجماعات يتفقون !!

قال ’’بَيْدَبَا‘‘  :

ليس لهم ذنب هؤلاء الغلابة يا مولاي .. ولكن المسئولية تقع على ’’سِـيدْرابِيل‘‘ وجماعات ’’سـاطين‘‘ وغابة ’’خِصـْر‘‘ وبهذه الأولوية .. وندعوا الله لأهل ’’كَرْزة‘‘ ؛ أن يرفع عنهم الحصار وينالون العزة .

…..


الاثنين، 7 أكتوبر 2019

وعد سيندور

وَعْدُ سِــينْدُور




وبعدَ أنْ فرَغَ الملكُ ’’دَبْشـَلِيم‘‘ .. من شئونِ مملكتِهِ التي يَنْظُرُ فيها .. التفتَ للفيلسوفْ ’’بَيْدَبـَا‘‘ وقال :
ولكنْ كيفَ للحـُرِّ يا فيلسوفْ .. أنْ يُصادِقَ عدُوَّهُ ؟!

فقالَ ’’بَيْدَبـَا‘‘ :
واللهِ يا مولاي .. إنها لَمِنَ الأمورِ العجيبةِ التي لا تَدْخُلُ عقلاً .. فكلُّ ما قالَهُ الحاكمُ الجديدُ .. النمرُ ’’شَـَرْواتْ ‘‘ .. يهدِّئُ النُفُوسَ .. ويُنْذِرُ بالسَكِينةِ والطمأنينةِ والأمانِ والخيرِ الكثيرِ .
أما مصادقةُ الأعداءِ .. فليسَ العقلُ يقبلُها .. فإذا كانتْ الصداقةُ بينَهُ وبينَ أعدائِهِ ممكنَةٌ .. فمِنْ أينَ نشأَ العداءُ إذنْ !! …

وأكملَ ’’دمنةُ‘‘ حديثَ أخيهِ ’’كليلةَ‘‘ .. للثورِ ’’مَنـْدَبـَةَ‘‘ قائلاً :
إنَّ فكرةَ مصادقةُ الأعداءِ .. هيَ التي جَعَلَتْ كثيراً منَ الرعايا بالغابةِ يتساءلونَ ؛ ويتعارضونَ ويتظاهرونَ . كما أنَّ الغاباتَ المجاورةَ ؛ أسِفَتْ لهذه الفكرة ؛ لأنَّ لهم عدوٌ مشتركٌ .. هم مجموعةٌ مِنَ الثعالبِ والخنازيرِ والقرودِ .. استوطَنَتْ غابةً تُدْعَى ’’سـاطِين‘‘ ، ليست أرضاً لها ؛ ولكنها ؛ اغتصَبَتْها اغتصاباً .. وأَزْهَقَتْ أرواحاً كثيرةً مِنْ أحيائِها الأصليِّين ، وشَرَّدَتْ مَنْ شَرَّدَتْ ؛ ونَصَبَتْ أعْشَاشَها وتَربَّعتْ فيها وعَرْبَدَتْ ؛ وتَشَعَّبَتْ فيها وتَغَلْغَلَتْ ؛ وعلَى قلبِ أصحابِها مَكَثَتْ ؛ وبجميعِ المبادئِ والعهودِ نَكَثَتْ .
فكيفَ بَعْدَ هذا نَمُدُّ يداً بالصداقةِ ؛ لِمَنْ تَعَمَّدُوا الصفاقة ؛ وسَلَبُوا الحقوقَ ؛ وتغلغلُوا بالشقوقِ ؛ كيفَ يكونُ منهم صَدِيق !!
وانقَلَبَتْ ’’سـاطِين‘‘ ؛ مِنَ الغضبِ إلى بَراكين . وتَنَظَّمَتْ وَحَدَاتٌ ؛ تقاومُ السَرِقات ؛ وتُطْلِقُ الصَرَخات ؛ في هيئةِ الهيئات .

وقال الفيلسوفْ ’’بَيْدَبـَا المِصْرِيُّ‘‘ للملكِ ’’دَبْشـَلِيم‘‘  :
مولاي .. هذا العدُوُّ أسلوبُهُ التفريقُ ؛ فكيفَ يُطْلَقُ عليهِ بعدَ هذا صديقٌ !!. كثيراً في هذه الدنيا تـُغْلَبُ الحقائقُ وتـُقْلَبُ ؛ وتـُحَرَّفُ وتـُزَيَّفُ ؛ فتصبحُ مسخاً يتمسكُ بهِ أصحابُ المصالحِ الفاسدةِ .
ونتَجَ عن هذا أنَّ قائداً في غابةِ ’’دِينْلانْد‘‘ .. اسمُهُ ’’سـِينـْدُور‘‘ .. أَعْطَى هذا العدُوَّ وَعْداً ؛ بأنْ تكونَ غابةُ ’’سـاطِينَ‘‘ لهم أرضاً .

فقالَ الملكُ :
وكيفَ لِمَنْ لا يملِكُ .. أنْ يُعطِيَ مَنْ لا يستَحِقُّ !!

فقالَ الفيلسوف :
ساعَدَهُمْ وسانَدَهُمْ في التَسَرُّبِ إلى هذهِ الغابةُ ؛ وتَرَكَهُمْ بالحِيلَةِ والدَهَاءِ يسرِقُوا الغلابَةَ . بَعْدَها بالقوةِ ؛ يَسْلُبُوا الباقِيَ عُنْوَة .
ومِنْ هُنَا انقَلَبَ حالُ غابةِ ’’سـاطِين‘‘ ؛ وتعاطَفَ معَها جيرانُها على مرِّ السنين . والأعداءُ المغتصبونَ ؛ يَسْلُبُونَ ويَنْهَبُونَ ؛ حتى اعتَبَرُوا لنفْسِهِم غابةً داخلَ ’’سـاطِين‘‘ ؛ أسْمَوْها ’’سـِيدْرابيل‘‘ 0
 كالمرضِ داخلَ الجسمِ يتوسَّعُ ويحتلَّه ؛ إما تقاوِمُهُ وإما دَمَّرَ الجسمَ كلَّه .

فقالَ عابِرُ السبيلِ ’’مَنـْدَبـَةَ‘‘  :
مساكينُ أهلَ ’’سـاطِين‘‘ ؛ الذين في غابتِهِمْ باقُون ؛ والذين هُم خارجَها شارِدُون .
وهل حاكِمُ غابتِكُم ’’خِصـْر‘‘ .. والذي يُدْعَى ’’شَـَرْواتْ‘‘ .. مَدَّ يدهُ فِعلاً بالصداقةِ لحاكمِ غابةَ ’’سـِيدْرابيل‘‘ ؟.

فقالَ ’’كليلة‘‘  :
توَقَّعتْ العقودُ ؛ وتقَطَّعتْ العهودُ ؛ وسُرعانَ صاحبُ الطبعِ إلى طبعِهِ يعود .

ثم سَكَتَ ’’كليلةُ‘‘ ؛ لحظاتٍ قليلةٍ ؛ ونَظَرَ داخلَ ديوانِ الحاكمِ وقالَ :
يبدو أنَّ أموراً بالداخلِ تستلزمُ الوجود ؛ وسأُكملُ الحديثَ عِندما أعود .


السبت، 2 مارس 2013

عابر سبيل في غابة خِصـْر

عابر سبيل في غابة خِصـْر

.....

شاهد الفيديو

.....
.....
قال الملك ’’دبشليم‘‘ للفيلسوف ’’بيدبا‘‘ :
وهل تسلب القيادة ممن يستحق وتـُعطى لمن لا يستحق ؟
قال الفيلسوف :
كل شيء جائز في هذه الدنيا التي يختلف فيها صنوف الناس . وقد حدث ذلك بالفعل ، مما أثار دهشة عابر سبيل في إحدى الغابات والتي تدعى ’’خِصـْر‘‘ لموقعها وسط الغابات .
فقد مر الثور عابر السبيل واسمه ’’مَنـْدَبـَة‘‘ على أخـَوان من أبناء آوى هما ’’كليلة‘‘ و ’’دمنة‘‘ ، يحرسان باب الحاكم ، فسألهما إن كان أحدهما يستأذن له الحاكم ليقابله لبعض شأنه ، ويطلب منه الأمنان ، فإن السباع بطبعها ضارية ولها زئير مخيف .
فضحك ’’دمنة‘‘ وقال :
إن غابة ’’خِصـْر‘‘ اختلفت عن عـُرف باقي الغابات ، فمن المعروف أن الأسود هم ملوك الغابات ؛ أما هنا فالغابة لها حاكم لا يأكل اللحوم ، فإنه الفيل ’’صَنـَادِق‘‘ يحكم الغابة بهدوء وروية .. وليس له طريق أو رؤية ، وخطته .. هي الاحتفاظ بحصته ، وهمه .. أن يطول حـُكمه ، ويحرسه من الضباع أربعة .. حتى لا يهاجمه فأر أو ضفدعة .
فسأل ’’مَنـْدَبـَة‘‘ :
وكيف قام هذا النظام ، وترك السباع والفهود والنمور والضباع عرش المملكة ؟
فقال ’’كليلة‘‘ :
إن العبرة ليست في القوة .. فالقوة تغلبها الحكمة .. والحكمة يغلبها الدهاء .. والدهاء يغلبه الخسة والخديعة .
نزحنا أنا و ’’دمنة‘‘ من بلاد تدعى ’’مَيون‘‘ من عدة سنين ، فسمعنا أنه منذ عشرات السنين قالوا للسباع والضباع ؛ وحوش ضارية .. تهاجم الغابة الغالية .
فزأرت السباع ، وأسرعت السباع والضباع تدافع عن أطراف غابة ’’خِصـْر‘‘ . وكانت الوحوش ؛ ما هي إلا فخاخ كبيرة لا ترحم . سجنت السباع والضباع . فحزن ملك الغابة الأسد ’’أبو شارِد‘‘ أحزاناً قوية .. وافته على الفور إثرها المنية .
وهب نمر من النمور اسمه ’’شـَرْوات‘‘ ، وقفز على العرش منادياً :
أنا البديل ، أنا فداء ’’أبو شارِد‘‘ ، أحمي حماكِ يا غابتي الخضراء .. أصحح الأوضاع فيكِ .. وأحميكِ .. من الغرباء . ويعم الخير فيكِ وأوزعه بسخاء . وتنتهي الغوغاء ، وأصادق الأعداء .. فلا عراك ولا شجار .. وننام الليل بلا أخطار .
وسكت الفيلسوف ’’بَيْدَبَا المصري‘‘ ثم قال :
أثقلت عليك يا مولاي . وعندك شئون هامة الآن . سأكمل بعدها ما أقول .. فإن شرحه سيطول ويطول
.....

ظهور كليلة ودمنة

ظهور كليلة ودمنة

.....

شاهد الفيديو

.....
.....
كان بأرض مجاورة تسمى ’’دستاوند‘‘ رجلٌ شيخٌ وكان له ثلاثة بنين . فلما بلغوا أشدهم أسرفوا في مال أبيهم ؛ ولم يكونوا احترفوا حرفةً يكسبون لأنفسهم بها خيراً . فلامهم أبوهم ؛ ووعظهم على سوء فعلهم .
وكان من قوله لهم : يا بني ؛ إن صاحب الدنيا يطلب ثلاثة أمور لن يدركها إلا بأربعة أشياء :
أما الثلاثة التي يطلب ، فالسعة في الرزق ، والمنزلة في الناس ، والزاد للآخرة .
وأما الأربعة التي يحتاج إليها في درك هذه الثلاثة :
فاكتساب المال من أحسن وجه يكون .
ثم حسن القيام على ما اكتسب منه .
ثم استثماره .
ثم إنفاقه فيما يصلح المعيشة ويرضي الأهل والإخوان ، فيعود عليه نفعه في الآخرة .
فمن ضيع شيئاً من هذه الأحوال لم يدرك ما أراد من حاجته ، لأنه إن لم يكتسب ، لم يكن مالٌ يعيش به .
وإن هو ذا مالٍ واكتسابٍ ثم لم يحسن القيام عليه ، أوشك المال أن يفنى ويبقى معدماً .
وإن هو وضعه ولم يستثمره ، لم تمنعه قلة الإنفاق من سرعة الذهاب ، كالكحل الذي لا يؤخذ منه إلا غبار الميل ثم هو مع ذلك سريعٌ فناؤه .
وإن أنفقه في غير وجهه ، ووضعه في غير موضعه ، وأخطأ في مواضع استحقاقه ، صار بمنزلة الفقير الذي لا مال له ، ثم لا يمنع ذلك ماله من التلف بالحوادث والعلل التي تجري عليه .
ثم أن بني الشيخ اتعظوا بقول أبيهم وأخذوا به وعلموا أن فيه الخير.
فانطلق أكبرهم نحو أرض يقال لها ’’مَيون‘‘ ؛ فأتى في طريقه على مكان فيه وحلٌ كثيرٌ ، وكان معه عجلةٌ يجرها ثوران ؛ يقال لأحدهما ’’شتربة‘‘ وللآخر ’’بندبة‘‘ ، فوحل ’’شتربة‘‘ في ذلك المكان ، فحاول الرجل وأصحابه إخراجه حتى بلغ منهم الجهد ، فلم يقدروا ، فذهب الرجل وترك عنده رجلاً يشارفه ؛ لعل الوحل ينشف فيتبعه بالثور . فلما بات الرجل بذلك المكان ، تبرم به واستوحش ، فترك الثور والتحق بصاحبه ، فأخبره أن الثور قد مات ؛ وقال له :
إن الإنسان إذا انقصت مدته وحانت منيته فهو وإن اجتهد في التوقي من الأمور التي يخاف فيها على نفسه الهلاك لم يغن ذلك عنه شيئاً ، وربما عاد اجتهاده في توقيه وحذره وبالاً عليه .
وأما الثور فإنه خلص من مكانه وانبعث . فلم يزل في مرج مخصب كثير الماء والكلأ ، فلما سمن وأمن جعل يخور ويرفع صوته بالخوار . وكان قريباً منه أجمةٌ فيها أسدٌ عظيمٌ ، وهو ملك تلك الناحية ، ومعه سباعٌ كثيرةٌ وذئابٌ وبنات آوى وثعالب وفهودٌ ونمورٌ ، وكان هذا الأسد منفرداً برأيه دون أخذٍ برأي أحد من أصحابه . فلما سمع خوار الثور ؛ ولم يكن رأى ثوراً ٌ ، ولا سمع خواره ، لأنه مقيماً مكانه لا يبرح ولا ينشط ، بل يؤتى برزقه كل يوم على يد جنده . وكان فيمن معه من السباع ابنا آوى يقال لأحدهما ’’كليلة‘‘ وللآخر ’’دمنة‘‘ ، وكانا ذوي دهاء وعلمٍ وأدبٍ . فقال ’’دمنة‘‘ لأخيه ’’كليلة‘‘ :
يا أخي ما شأن الأسد مقيماً مكانه لا يبرح ولا ينشط ؟
قال له ’’كليلة‘‘ :
ما شأنك أنت والمسألة عن هذا ؟ ، نحن على باب ملكنا آخذين بما أحب وتاركين لما يكره ، ولسنا من أهل المرتبة التي يتناول أهله كلام الملوك والنظر في أمورهم . فأمسك عن هذا .
قال ’’دمنة‘‘ :
ولكن اعلم أن كل من يدنو من الملوك ليس يدنو منهم لبطنه ، وإنما يدنو منهم ليسر الصديق ويكبت العدو . وإن من الناس من لا مروءة له ، وهم الذين يفرحون بالقليل ويرصون بالدون ، كالكلب الذي يصيب عظماً يابساً فيفرح به . وأما أهل الفضل والمروءة فلا يقنعهم القليل ، ولا يرضون به ؛ دون أن تسموا به نفوسهم إلى ما هم أهلٌ له ، وهو أيضاً لهم أهلٌ ، كالأسد الذي يفترس الأرنب ، فإذا رأى البعير تركها وطلب البعير ، ألا ترى أن الكلب يبصبص بذنبه ، حتى ترمى له الكسرة ، وأن الفيل المعترف بفضله وقوته إذا قدم إليه علفه لا يعتلفه حتى يمسح ويتملق له . فمن عاش ذا مالٍ وكان ذا فضلٍ وأفضالٍ على أهله وإخوانه فهو وإن قل عمره طويل العمر . ومن كان في عيشه ضيقٌ وقلةٌ وإمساكٌ على نفسه وذويه فالمقبور أحيا منه . ومن عمل لبطنه وقنع وترك ما سوى ذلك عد من البهائم .
.....

الزعامة من باب القيادة

الزعامة من باب القيادة

.....

شاهد الفيديو

.....
كنت أسمع من الحكماء قبلي ، تقول إن الملوك لها سورةٌ (علامة) كسورة الشراب ، فالملوك لا تفيق من السورة إلا بمواعظ العلماء وأدب الحكماء . والواجب على الملوك أن يتعظوا بمواعظ العلماء . والواجب على العلماء تقويم الملوك بألسنتها ، وتأديبها بحكمتها ، وإظهار الحجة البينة اللازمة لهم ، ليرتدعوا عما هم عليه من الاعوجاج والخروج عن العدل .
قال لي الملك :
ما قولك في الزعامة يا فيلسوف ؟
قلت :
الزعامة من باب القيادة ، والقائد من يُنَصَّب على جمع قليل كان أم غفير فهو قائد .
الملك قائد على شعب مملكته ، ورئيس الجند قائد على جنوده ، ... وشيخ المنصر قائد على لصوصه .
والقيادة موروثة لدى الملوك ، وقد تكون بالتنصيب لسمات البراعة والتفوق والسلوك ؛ لاحظها أولوا الأمر .. كقائد الحرس . وقد تكون شورى بالمبايعة والاختيار ؛ في الشعوب الحرة وكيانات الأحرار .. كالخليفة للمسلمين . أما القيادة المفروضة بالقوة ؛ كما في سوق الغلابة ذو الجبروت ينصب نفسه .. فتوة .
يتقرب للقائد بعض من جماعته ؛ أو يقربهم إليه ؛ حسب طموحاته وفكره وحاجته .
فإذا أراد السلطة والهيمنة ؛ اقترب منه أو قرب إليه أصحاب اليد الطولى والأشراس ، وهم بالطبع فئة لا تتميز بالكثرة ولا بالمودة ولا برقة الإحساس .
وإذا أراد المال ؛ اقترب منه أو قرب إليه أصحاب المصالح المالية ومحترفي جمع المال ؛ بأي صورة وبأي حال ، وهم منخرطون في همهم ، وليس لهم سيد غير المال فلا يقوى قائد بهم .
وقد يبحث القائد عن أوجاع جماعته وتطلعاتهم ؛ يتعلمها ويعيشها ويشعر بها ليعالجها ويخفف معاناتهم ، فيلتف حوله أغلب من في جماعته ، وبقدر شعوره بحاجاتهم يكون التفافهم حوله وشحذ همته... وهنا تأتي الزعامة .
فالزعيم قائد يستمد قوته ؛ من التفاف جماعته ، فيأخذ من حكمتهم ويجمع خبراتهم ، فيقوى بمساندتهم لمعالجة مشكلاتهم .
والملك الزعيم هو القوي بحب شعبه له ، وحرصه على مصالحهم أهم شغله .